ابن باجة
19
رسائل فلسفية لأبي بكر بن باجة
وقد ارتأينا ان نفصل القول على رسائل هذا القسم في مرحلة لاحقة من هذا التقديم ، وذلك بالحديث عن كل رسالة على حدة من خلال التعرض لمحتوياتها باختصار ، والتعرف على منزلتها من المتن الباجوي كلما أمكننا ذلك ، والوقوف على الإشارات التي خصّت بها في الفهارس القديمة والحديثة . وسنقدم لهذا كله ببيان المعيار الذي اتخذناه في ترتيبنا لها وهو ترتيب يخالف الترتيب الذي وردت به في المخطوط . اما القسم الثاني فيضم اثنتي عشرة رسالة يتناول معظمها موضوعات سيكوميتافيزيقية - ، مثل علاقة القوة المتخيلة بالعقل ، ومسألة الاتصال ، وخلود العقل ، ومفهوم الكمال . ويثير بعضها مسألة الفيض ، والتراتب المعرفي ، والفاعل البعيد والقريب ، والواجب الوجود والممكن الوجود . وتتميز رسالة من هذه المجموعة بالدفاع عن أبي نصر فيما ينسب اليه في شرحه لكتاب الاخلاق لأرسطو من انكار للوجود الأخروي والسعادة الأخروية . والملاحظ ان رسائل هذا القسم تثير مسائل جديدة بالنسبة للمنظومة الباجوية المعروفة ، بل ربما أمكن اعتبارها متعارضة والمنحى العام الذي اتخذه تفكير ابن باجة . ولا يتعلق الامر فحسب بالمسائل التي لا نجد لها اثرا في كتاباته الأخرى ، مثل الفيض والتراتب المعرفي والواجب الوجود والممكن الوجود ، بل يتعلق أيضا بالموضوعات الأخرى التي تبدو شديدة الاتصال بالصورة الأخيرة التي اتخذها المشروع الفلسفي عند ابن باجة ، ابتداء من تدبير المتوحد ، مثل اشكال الاتصال الذي نذهب إلى أنه المحور الأساسي للفلسفة الباجوية في مرحلتها الأخيرة ، وكذلك مفهوم الكمال ، وخلود العقل ، وعلاقة القوة المتخيلة بالعقل . وذلك لان الاشتراك الظاهر بين هذه المفاهيم الواردة هاهنا ومثيلاتها الواردة في كتاباته الأخرى ، التي لا يرقى إليها شك انما هو اشتراك في الاسم فقط كما يقول القدماء . وهذا هو السبب الذي حركنا إلى فصلها عن رسائل القسم الأول ، ووضعها في قسم خاص كما سنوضح ذلك فيما بعد . اما عن الأسباب التي تدعو إلى الشك في كثير مما ورد في رسائل هذا القسم فسنعرض لها في فقرة لاحقة ، وذلك من خلال جملة من الفرضيات التي يمكن وضعها في ضوء معطيات المتن الباجوي ، مخطوطا كان أو مطبوعا .